وقفات مع " شمس الدين بوروبي "
أبي يزيد المدني *حفظه الله *
الحمد لله الذي أقام للدين صروحاً، ودكَّ بشهب اليقين من رام لهذا الدين تحريفاً، وأصلي وأسلم على المبعوث للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى ربه وسراجاً منيراً.
أما بعد:
فلي وقفة مع مقال بعنوان: "الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم سنـّة حسنة" لكاتب مغمور, أراد أن يلمع جرمه, أمام شُمُس الدجى, وأعلام الهدى - وأنى له ذلك-.
ولست بصدد تعداد إفك وافتراءات هذا الدعيِّ - وهي كثيرة - والذي ما فتئ التجنِّي على السلف رحمهم الله, وعلماء أهل السنة والجماعة.
وحسبي أن أبين عوار ما جاء في مقاله, الذي بنبي عن ضحالة علمه, وقلّة فقهه, بل وجهله المركّب الذي لا يرجى من ورائه شفاء من عيّه إلا أن يشاء الباري جلّ وعلا.
وهذه وقفات سريعة مع مقال هذا الدعيِّ.
أولاً: تسميته أتباع السلف الصالح: "حشوية".
لا ينفك هذا الدعيّ الجهول عن اطلاق لفظة "الحشوية" على أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح, وأنا أكاد أجزم أنه من أجهل الخلق بمعنى هذه اللفظة لغة واصلاحاً - فهو بمثابة الببغاء المقلّد لغيره- والغرض من هذا النبز معلوم غير خاف, وهو تنفير الناس من اتِّباع منهج السلف الصالح.
وهذا ديدين أهل البدع في كلّ زمان ومكان.
وهذه وقفة سريعة مع هذه اللفظة الآثمة.
- إنّ أوّل من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن عبيد المعتزلي، فقال: كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه حشوياً.
وذلك أنّ المعتزلة معطّلة لصفات الباري جلّ وعلا, وابن عمر والصحابة رضوان الله عليهم مثبتون للصفات.
فمصطلح: "الحشوية" ينبز به المعطلة أهل السنة (مثبتي الصفات)، وتبعهم في ذلك أهل الكلام.
قال الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله: "واعلم أنّ لأهل البدع علامات يعرفون بها، فعلامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة، تسميتهم أهل الأثر بالحشوية، ويريدون إبطال الآثار"]الغنية لطالبي الحق, ص 80 [.
فهنيئاً لهذا الدعيِّ انتسابه للمعتزلة والمعطلة, ومعاداته ومفارقته للصحابة رضي الله عنهم.
وهل يملك الجرأة فيعلنها صراحة أنّ مالكاً والشافعي وأبا حنيفة وأحمد حشويّة؟؟؟!!!.
- ومراد المعتزلة وأذنابهم بلفظ: "الحشوية":
إما من حشو الناس, أي: عامة الناس, الذين ليس لهم فهم, وهذا كتسمية الرافضة أهل السنة والجماعة بالجمهور.
أو من: الحشو في الكلام, يعني أنّ أهل السنة والجماعة ما عندهم إلا قال الله، قال الرسول، ما عندهم قواعد عقلية، ما عندهم مقدمات منطقية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهؤلاء يعيبون منازعهم إما لجمعه حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتباع الحديث في مسائل الأصول من مذهب الحشو، لأنها مسائل علمية والحديث لا يفيد ذلك، لأن اتباع النصوص مطلقاً في المباحث الأصولية الكلامية حشو، لأن النصوص لا تفي بذلك" ]مجموع الفتاوى 4/88[.
- وأما عن القصد من وراء ذلك فهو التنفير من اتباع ما يزعمون بطلانه جهلاً منهم بالحق.
قال الألوسي رحمه الله: "وخصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم - أي: الحشوية-، تنفيراً للناس عن اتباعهم والأخذ بأقوالهم"]مسائل الجاهلية, ص 182 [..
ولهذا أخي الحبيب لا تتعجب من طعن هذا الدعيّ لكلّ سنّة غراء, وتأييده لكل بدعة بتراء, فهو على منهج أهل التعطيل والتجهيل سائر, ولمنهج السلف من الصحابة مفارق.
ثانياً: ادعاؤه أنّ السلفيين لا ينكرون الأعياد المحدثة, بل ويشاركون في بعضها.
- هذا محض الافتراء والتدجيل على الخلق, فالناظر في كتب السلف رحمهم الله يشهد بحقّ أنهم أنكروا هذه الأعياد المبتدعة بجملتها.
بل وألفوا في ذلك كتباً صغاراً وكباراً, قديماً وحديثاً.
أذكر منها تمثيلاً لا حصراً.
- الأعياد وأثرها على المسلمين, للدكتور: سليمان بن سالم السحيمي.
- البدع الحولية, لعبد الله بن عبد العزيز بن أحمد التويجري.
- اقتضاء الصراط المستقيم, لشيخ الإسلام ابن تيمية.
- الإبداع في مضار الابتداع, لعلي محفوظ.
- الحوادث والبدع, لأبي بكر الطرطوشي.
- عشرات الكتب في البدعة وأحكامها.
- مئات الفتاوى والمقالات في بيان حكم الأعياد المبتدعة.
- أقرّ هذا الدعيّ أنّ الأعياد أكثر من أن تعدّ, وفي كل فترة ينشيء الناس عيداً جديداً, وأغلبها مغمور لا يعرفه إلا أصحابه.
فهل من الحكمة والعقل, أن ننتبع كلّ عيد مجهول مغمور لا يعتقده إلا أصحابه بالبيان والإيضاح والإنكار.
إنما يكفي البيان العام, ليندرج ما كان في شكالته من الأشباه والنظائر كما هو معلوم.
ثم ألم تكتحل عيون هذا الدعيّ بمؤلفات أهل السنة والجماعة ومقالاتهم, بل وفتاويهم في إنكار كثير من الأعياد المحدثة, كعيد رأس السنة الميلادية, وعيد الحبّ وغيرها, مما عمّت به البلوى ؟؟!!.
بل لم يقف هذا الإنكار عند اللسان فقط, بل تعداه للإنكار الحسيّ, وذلك من خلال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلاد الحرمين, التي ما فتئت تلاحق المحتفلين بهذه الأعياد المنكرة.
- ومن جهة أخرى هناك فروق شاسعة بين هذه الأعياد, وبيان عيد المولد النبويّ, وهذه الفروق تقتضي مزيد البيان والنصح, لحقيقة الاحتفال بالمولد النبويّ.
وبيان ذلك كالآتي:
أ- يتّخذ المحتفلون بالمولد النبويّ هذا العيد عبادة يتقرَّبون بها إلى الله جلّ وعلا, بخلاف أغلب الأعياد الأخرى فليس فيها نيّة التعبّد مطلقاً.
وغير خاف خطورة التعبّد بما لم يشرعه الله جلّ وعلا.
ب- أنّ عيد المولد النبويّ من الأعياد التي عمّت بها البلوى, حتى اعتقد حلّها الصغير والكبير, بينما أغلب الأعياد الأخرى مجهولة لا يعرفها إلا أصحابها.
- أما قوله: "بل ببعض الأعياد مقرّون ومشاركون".
فليسم لنا هذه الأعياد, وليعطنا الدلائل البينات, على مشاركة السلفيين لهذه الأعياد المنكرة.
إنّها تالله دعوى لا زمام لها ولا خطام, محض تجنٍّ وافتراء, وهذا ليس مستغرباً على هذا الدعيّ.
ثالثاً: استدلاله بوجوب الفرح بمولده صلى الله عليه وسلم على جواز الاحتفال بالمولد, واتهامه للسلفيين بأنهم جفاة لا يحبون نبيهم صلى الله عليه وسلم.
خبط هذا الدعيّ في هذه الجزئية وجمع بين المتناقضات, ولم يصنع شيئاً, غير أنه أبان عن سفهه وضحالة علمه, وإليك البيان والبرهان:
1- أوهم هذا الدعيّ القرّاء, بأنّ الخلاف بين السلفيين, والمجيزين للاحتفال بالمولد, هو خلاف بين فئة محبةّ للنبي صلى الله عليه وسلم فرحت بمولده, وبين فئة مقابلة ليست محبة له, ولم تفرح بمولده.
وهذا والله قمة في السفاهة والسفالة.
- أيعقل أن يكون السلف من الصحابة وأتباعهم إلى يوم الدين غير محبين للنبي صلى الله عليه وسلم, وهم الذين نذروا أوقاتهم, وبذلوا مهجهم نصرة لنبييهم صلى الله عليه وسلم ؟؟.
وأخبار السلف التي تدلّ على حبهم وفرحهم بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أشهر من نار على علم, ورغم ذلك لم يجعلوا من هذا الحبّ العظيم ذريعة للاحتفال بالمولد.
سئل علي رضي الله عنه:"كيف كان حبّكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ".
وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "ما كان أحد أحبّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه" ]رواه مسلم[.
ورغم حبهم العظيم لنبيهم إلا أنهم لم يجعلوا ذلك مصوّغاً للاحتفال بمولده صلى الله عليه, فهل نتهم -كما فعل هذا الدعيّ- الصحابة بأنهم غير محبين لنبيهم, وأنهم لم يفرحوا بمولده صلى الله عليه وسلم ؟؟!!.
2- ثمّ لا ريب أنّ ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته للأمة، إنما هي من فضل الله ورحمته على الناس كافة، ولكن ما دخل هذا بالاحتفال بذكرى المولد ؟ ومن قال إن الفرح بمولده لا يحصل إلا بإحياء مثل هذه البدع ؟ ولِمَ لم يفهم الصحابة من هذه الآية هذا المعنى الذي فهمه هذا الدعيّ الجهول, هل هو أعلم من صحابة