هل في البدع مستحسن ومستهجن؟؟
كتبهاجمال البليدي ، في 18 سبتمبر 2008 الساعة: 21:08 م
قال العلامة الجزائري أحمد حماني رحمه الله:
هل في البدع مستحسن ومستهجن؟؟؟
كذلك قال بعضهم ونسب إلى عز الدين بن عبد السلام وانه قسم البدعة إلى مستحسنة وغير مستحسنة وجعلها مما تعتريه الأحكام الخمسة: الوجوب,والندب,والحرام,والكراهة,والإباحة وضرب مثلا لما هو واجب منها بجمع المصحف وكتابته ,وبالعلوم الحادثة لخدمة الشريعة,ولكن ظاهر الحديث -بل صريح نصه- ينفي هذا التقسيم لأنه عليه الصلاة والسلام يقول:(كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) فليس في البدع مستحسن لا يقبحه الشرع, بل كل بدعة فهي مقبوحة.
وأما جمع المصاحف والعلوم الشرعية والمساعدة على خدمة الشريعة فلا يصدق عليها تعريف البدعة.
بل يصدق على جمع المصاحف وكتابته أنه سنة أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بإلتزامها وحث عليها في قوله صلى الله عليه وسلم (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)وجمع المصاحف مما أجمع عليه الخلفاء الأربعة,شرع فيه أبو بكر وعمر وأكمله عثمان وصرح أنه لو لم يفعله قبله لفعله ,فتسميته بدعة -إذا صحت-تسمية مجازية ,كذلك جمع عمر الناس في صلاة التراويح على قارئ واحد سماه بدعة مجازا,وإلا هي سنة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ,وبفعله وتركها النبي صلى الله عليه وسلم شفقة على أمته أن تفرض عليهم فلما أمن الفرض أمر بها عمر, وكذلك وضع علم النحور ,فقد كان بأمر من علي بن أبي طالب لأبي الأسود الدؤلي كما هو مذكور في تاريخ النحو ,ومثل النحو غيره من العلوم العربية ,وكذلك علم أصول الدين,وعلم أصول الفقه,كل هذه لا يصدق عليها انها بدع.
فإن البدعة (عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)(13).
فالبدعة خاصتها انها خارجة عما رسمه الشارع,وبهذه الخاصة ينفصل عنها كل ما يظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين ,فعلم النحو ,والصرف, واللغة,وأصول الفقه,وأصول الدين وكل العلوم الخادمة للشريعة ان لم توجد في الزمان الأول,فان أصولها موجودة ,فالنحو يتوصل للنطق الصحيح لألفاظ القرآن, وبعلوم اللسان يهتدي إلى الصواب في الكتاب والسنة,وبأصول الفقه يمكن استقراء كليات الأدلة لتكون نصب عين المجتهد والطالب.
وتصنيفها على الوجه الذي صنفت عليه مخترع خقا,ولكن في الحديث ما يدل على جواز الإقدام وحتى لو سلم انه لا دليل عليه بالخصوص,فالمصلحة المرسلة تقتضيه والشرع -بجملته يدل على إعتباره- فليس ببدعة ألبتة.
برهان ذلك أننا لو اعتبرنا ذلك بدعة للزم أن يكون جمع المصحف وكتابته قبيحا,وهو باطل بالإجماع,فليس إذا ببدعة ,فلا بد له من دليل شرعي,وليس له دليل شرعي إلا المصلحة وهو مأخوذ من جملة الشريعة .وإذا ثبت جزئي في المصلحة المرسلة ثبت مطلق المصلحة واستدل بها ,لهذا لا ينبغي أن يسمى وضع كل علم متصل بالشريعة بدعة ,فلا النحو بدعة,ولا أصول الفقه,ولا أصول الكلام,ولا غير ذلك.
قال الشاطبي في هذا المبحث النفيس:من سماه بدعة فإما على المجاز كمى سنى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة ,وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه)(14).
واما مضاهاة للشرعية الواردة في تعريف البدعة فان المراد ان المبتدع يشابه ببدعته الأعمال الشرعية,والحقيقة أنها ليست كذلك,كمن نذر الصيام قائما ,ومن نذر الإنقطاع للعبادة,ومن نذر الإقتصاد في الأكل على صنف,وكمن التزم كيفية خاصة معينة كالذكر بهيئة إجتماع على صوت واحد,وكالتزام عبادات معينة ليس لها أصل في الشريعة كصوم نصف شعبان وقيام ليلته,فالمبتدع يضاهي بها السنة ليلبس بها على الغير,(لذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع ولو بدعوى الإقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير).
وقد يكون باعث المبتدع على ابتداعه أن يبعث في النفوس النشاط ,فقد تمل النفوس وتسأم العبادات الرتيبة,فإذا جدد لها أمر لا تعهده حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء مع الأمر الأول كما قيل(لكل جديد لذة).
قال الشاطبي(وقد تبين بهذا القيد-يعني قيد المضاهاة للشرعية,أن البدع لا تدخل في العادات ,فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع -ولم يقصد به التعبد- فقد خرج عن هذه التسمية كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة,وقد مخصوص مما يشبه فرض الزكوات,ولم يكن إليها ضرورة ,وكذلك إتخاذ المناخل,وغسل اليدين بالأشنان وما اشبه ذلك من الأمور التي لم تكن من قبل لا تسمى بدعا….)
ومما تقدم يتبين أن البدعة واحدة قبيحة كلها,ضلالة كلها,في النار هي وصاحبها,وليس فيها مستحسن,وما يتوهم أنه بدعة كجمع المصاحف وكتابته وكالعلوم التي تخدم الشريعة ليس ببدعة أصلا بل قامت على شرعيته أدلة الشريعة,واما الأمور العادية فأصلها الإباحة وهي خاضعة للضرورة ,والمصلحة,مجارية لها. والله أعلم.
———————————————————-
(13)الإعتصام ص19
(14)الإعتصام ص21 ,ج1 وما بعدها .
نقلته بحرفه من كتاب الصراع بين السنة والبدعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العقيدة والمنهج | السمات:العقيدة والمنهج
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























