إبطال دعوى المجاز في الصفات الإلهية2
كتبهاجمال البليدي ، في 10 مايو 2009 الساعة: 13:26 م
الوجه الثاني:أنه لو كانت هذه الصفات من المجئ والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا والاستواء على العرش مستحيلة على الله-تعالى-لكانت كالأكل والشرب والنوم والغفلة-وهكذا هي عند النفاة سواء-،فمتى عهد إطلاق الأكل والشرب والنوم والغفلة عليه-تعالى-،ونسبتها إليه نسبة مجازية،وهي متعلقة بغيره؟!
وهل في ذلك شئ من الكمال ألبتة؟!؛فإن قوله-تعالى-:"وجاء ربك"و"أتى"و"يأتي"عندهم في الاستحالة مثل"أكل"و"شرب"و"نام"،والله-تعالى-لا يطلق على نفسه هذه الأفعال ولا رسوله-صلى الله عليه وسلم-لا بقرينة ولا مطلقة،فضلاً عن أن تطرد نسبتها إليه.
وقد اطردت نسبة المجئ والإتيان والنزول والاستواء إليه مطلقاً من غير قرينة تدل على أن الذي نسبت إليه هذه الأفعال غيره من المخلوقات؛فكيف تسوغ فيه دعوى المجاز؟![1].
الوجه الثالث:أن كل معنى مجازى يدعيه المجازيون لصفة من الصفات الإلهية يلزمهم فيه ما يلزمهم في المعنى الحقيقي؛فلا يخلصهم هذا المجاز المعيَّن من ما فروا منه من المحذور.
قال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-في ردِّه على دعواهم المجاز في صفة اليدين والوجه ونحوها :"إن هذه الألفاظ كلفظ"اليدين"و"الوجه":
إما أن يكون لها معنى أو تكون ألفاظاً مهملةً لا معنى لها.
والثاني ظاهرُ الاستحالة.
وإذا لم يكن بدون[2]إثبات معنى لها فلا ريب أن ذلك المعنى قدرٌ زائد على الذات،وله مفهومٌ غير مفهوم الصفة الأخرى؛فأي محذور لزم في إثبات حقيقة اليد لزم في مجازها،ولا خلاص لكم من ذلك إلا بإنكار أن يكون لها معنى أصلاً،وتكون ألفاظاً مجردة؛فإن المعنى المجازي:إما القدرة،وإما الإحسان-وهما صفتان قائمتان بالموصوف-فإن كانتا حقيقيتين غيرَ مستلزمتين لمحذور فهلا حملتم اليد على حقيقتها،وجعلتم الباب واحداً!!
وإن كانت مجازاً-وهو حقيقة قولكم-فلا يد ولا قدرة ولا إحسان في الحقيقة،وإنما ذلك مجازٌ محضٌ"ا.هـ[3].
وقال أيضاً في رده على دعواهم المجاز في صفة المجئ:"إنهم إذا قدَّروا مثلاً"وجاء أمر ربك"و"يأتي أمره"و"يجئ أمره"و"ينزل أمره"فأمره هو من كلامه،وهو حقيقة،فكيف تجئ الصفة،وتأتي،وتنزل دون موصوفها؟!
وكيف ينزل الأمر ممن ليس هو فوق سماواته على عرشه؟!
ولما تفطن بعضهم لذلك قال:"أمره بمعنى مأموره"؛فالخلق والرزق بمعنى[المخلوق][4]المرزوق ؛ فركب مجازاً على مجاز بزعمه،ولم يصنع شيئاً؛فإن مأموره هو الذي يكون ويخلق بأمره،وليس له عندهم أمر يقوم به،فلا كلام يقوم به،وإنما ذلك مجاز من مجاز الكناية عن سرعة الانفعال بمشيئته تشبيهاً بمن يقول:"كن"؛فيكون الشئ عقيب تكوينه؛فركبوا مجازاً على مجاز،ولم يصنعوا شيئاً"ا.هـ[5].
ــــــــــــــ
[1] انظر:"مختصر الصواعق"2/107-108.
[2] كذا في المطبوع وصوابها:"وإذا لم يكن بدّ من".
[3] "مختصر الصواعق"2/164-165.
[4] ساقط من المطبوع.
[5] "مختصر الصواعق"2/108-109.
الوجه الرابع:أن مدعي المجاز في بعض الصفات الإلهية يلزمهم أن يقولوا به في سائر الصفات؛فالقول في الصفات واحدٌ؛إذ الموصوف واحدٌ،وكلُّ ما يدعونه من المحذور في بعضها يلزمهم في ما عداها؛فإما أن يجعلوا الصفات كلها مجازاً،وإما أن يجعلوها كلها حقيقةً،والتفريق بينها تحكمٌ محضٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:"وهؤلاء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفاتِ الخالق بصفات المخلوق ثم ينفون ذلك،ويعطلونه؛فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق،وينفون مضمون ذلك؛ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته،وألحدوا في أسماء الله وآياته،وخرجوا عن القياس العقلي والنصِّ الشرعى؛فلا يبقى بأيديهم لا معقول صريحٌ،ولا منقولٌ صحيحٌ.
ثم لابدَّ لهم من إثبات بعض ما يثبته أهل الإثبات من الأسماء والصفات،فإذا أثبتوا البعض،ونفوا البعض قيل لهم:"ما الفرق بين ما أثبتموه ونفيتموه؟
ولم كان هذا حقيقةً؟
ولم يكن هذا حقيقةً؟لم يكن لهم جوابٌ أصلاً؛وظهر بذلك جهلهم وضلالهم شرعاً وقدراً.
وقد تدبرتُ كلام عامة من ينفي شيئاً مما أثبته الرسل من الأسماء والصفات فوجدتهم كلَّهم متناقضين؛فإنهم يحتجون لما نفوه بنظير ما يحتج به النافي لما أثبتوه؛فيلزمهم إما إثبات الأمرين،وإما نفيهما،فإذا نفوهما فلابدَّ لهم أن يقولوا بالواجب الوجود وعدمه جميعاً،وهذا نهاية هؤلاء النفاة الملاحدة الغلاة من القرامطة وغلاة المتفلسفة؛فإنهم إذا أخذوا ينفون النقيضين جميعاً فالنقيضان كما أنهما لا يجتمعان فلا يرتفعان".
إلى أن قال:"فمَن ظن أن أسماء الله-تعالى-وصفاته إذا كانت حقيقةً لزم أن يكون مماثلاً للمخلوقين،وأن صفاته مماثلةٌ لصفاتهم كان من أجهل الناس،وكان أول كلامه سفسطةً، وآخره زندقة؛لأنه يقتضي نفي جميع أسماء الله-تعالى-وصفاته.
وهذا هو غاية الزندقة والإلحاد.
ومَن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز كان متناقضاً في قوله، متهافتاً في مذهبه،مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب،وكفر ببعضٍ.
وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور تبين له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد والصحة والاطراد،وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح،وأن مَنْ خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه من أُفك خارجاً عن موجَب العقل والسمع،مخالفاً للفطرة والسمع،والله يتم نعمته علينا وعلى سائر إخواننا المسلمين المؤمنين، ويجمع لنا ولهم خير الدنيا والآخرة"ا.هـ[1].
وقال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-:"إن هاهنا ألفاظاً تطلق على الخالق والمخلوق:أفعالها ومصادرها وأسماء الفاعلين والصفات المشتقة منها،فإن كانت حقائقها ما يفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم-وذلك منتفٍ في حقِّ الله-تعالى-قطعاً لزم أن تكون مجازاً في حقه لا حقيقة؛فلا يوصف بشئ من صفات الكمال حقيقة،وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات؛فتكون حقيقةً للمخلوق،مجازاً للخالق.
وهذا من أبطل الأقوال،وأعظمها تعطيلاً،وقد التزمه معطلو الجهمية؛فلا يكون رب العالمين موجوداً حقيقة،ولا حياً حقيقة،ولا مريداً حقيقة،ولا قادراً حقيقة،ولا ملكاً حقيقة،ولا رباً حقيقة،وكفى أصحاب هذه المقالة بها كفراً.
فهذا القول لازمٌ لكل من ادعى المجاز في شئ من أسماء الرب وأفعاله لزوماً لا محيص له عنه؛فإنه إنما فرَّ إلى المجاز لظنه أن حقائق ذلك مما يختص بالمخلوقين،ولا فرق بين صفة وصفة،وفعل وفعل:
فإما أن يقول:"الجميع مجازٌ"أو"الجميع حقيقةٌ".
وأما التفريق بين البعض،وجعله حقيقةً وبين البعض،وجعله مجازاً فتحكُّمٌ محضٌ باطلٌ.
فإنْ زعم هذا المتحكِّم أن ما جعله مجازاً ما يفهم من خصائص المخلوقين،وما جعله حقيقةً ليس مفهومه مما يختص بالمخلوقين طولب بالتفريق بين النفي والإثبات؛وقيل له:"بأيِّ طريقٍ اهتديت إلى هذا التفريق؟
بالشرع أم بالعقل أم باللغة؟
فأي شرع أو عقل أو لغة على أن الاستواء والوجه واليدين والفرح والضحك والغضب والنزول حقيقة في ما يُفهم من خصائص المخلوقين،والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة حقيقة في ما يختص به المخلوق؟!
فإن قال:"أنا لا أفهم من الوجه واليدين والقدم إلا خصائص المخلوق،وأفهم من السمع والبصر والعلم والقدرة ما لا يختص به المخلوق؟
قيل له:"فبم تنفصل عن شريكك في التعطيل إذا ادعى في السمع والبصر والعلم مثل ما ادعيت أنت في الاستواء والوجه واليدين؟!
ثم يقال لك:"هل تفهم مما جعلته حقيقة خصائص المخلوق تارة،وخصائص الخالق تارة،أو القدر المشترك،أو لا تفهم منها إلا خصائص الخالق؟
فإن قال بالأول كان مكابراً جاهلاً.
وإن قال بالثاني قيل له:"فهلا جعلت الباب كله باباً واحداً،وفهمت ما جعلته مجازاً خصائص المخلوق تارة،والقدر المشترك تارة؛فظهر بالعقل أنكم متناقضون"ا.هـ[2].
وقال أيضاً في رده على من يجعل صفة اليد مجازاً:"ما الذي يضركم من إثبات اليد حقيقة،وليس معكم ما ينفي ذلك من أنواع الأدلة لا نقليها ولا عقليها ولا ضروريها ولا نظريها؛فإن فررتم من الحقيقة خشية التشبيه والتمثيل ففروا من إثبات السمع والبصر والحياة والعلم والإرادة والكلام خشيةَ هذا المحذور"ا.هـ[3].
وقال أيضاً في رده على من يجعل صفة الوجه مجازاً:"إنه لو ساغ ذلك لساغ لمعطلٍ آخر أن يدعي الزيادة في قوله:"أعوذ بعزة الله وقدرته"،ويكون التقدير:"أعوذ بالله"؛ويدعي معطلٌ آخرُ الزيادةَ في سمعه وبصره وغير ذلك"ا.هـ
ـــــــــــــ
[1] "مجموع الفتاوى"5/209-213.
[2]"مختصر الصواعق"2/35-36.
[3] "مختصر الصواعق"2/163.
[4] "مختصر الصواعق"2/175.
[4].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الرد على الصوفية و الأشاعرة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























